ابراهيم بن عمر البقاعي

97

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الحرالي : من الإحساس وهو منال الأمر بادرا إلى العلم والشعور الوجداني - انتهى عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ أي علمه علم من شاهد الشيء بالحس ورأى مكرهم على ذلك يتزايد وعنادهم يتكاثر بعد أن علم كفرهم علما لا مرية فيه ، فاستغاث بالأنصار وعلم أن منجنون الحرب قد دار . فعزم على إلحاقهم دار البوار قالَ مَنْ أَنْصارِي . ولما كان المقصود ثبات الأنصار معه إلى أن يتم أمره عبر عن ذلك بصلة دلت على تضمين هذه الكلمة كلمة توافق الصلة فقال : إِلَى أي سائرين أو واصلين معي بنصرهم إلى اللَّهِ أي الملك الأعظم قالَ الْحَوارِيُّونَ قال الحرالي : جمع حواري وهو المستخلص نفسه في نصرة من تحق نصرته بما كان من إيثاره على نفسه بصفاء وإخلاص لا كدر فيه ولا شوب - انتهى . وهو مصروف لأن ياءه عارضة نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي الذي أرسلك وأقدرك على ما تأتي به من الآيات ، فهو المحيط بكل شيء عزة وعلما ، ثم صححوا النصرة وحققوا بأن عللوا بقولهم : آمَنَّا بِاللَّهِ أي على ما له من صفات الكمال ، ثم أكدوا ذلك بقولهم مخاطبين لعيسى عليه الصلاة والسّلام رسولهم أكمل الخلق إذ ذاك : وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * أي منقادون لجميع ما تأمرنا به كما هو حق من آمن لتكون شهادتك علينا أجدر لثباتنا ولتشهد لنا بها يوم القيامة . ثم لما خاطبوا الرسول أدبا ترقوا إلى المرسل في خطابهم إعظاما للأمر وزيادة في التأكيد فقالوا مسقطين لأداة النداء استحضارا لعظمته بالقرب لمزيد القدرة وترجي منزلة أهل الحب : رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ أي على ألسنة رسلك كلهم وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ الآتي إلينا بذلك معتقدين رسالته منك وعبوديته لك فَاكْتُبْنا لتقبّلك شهادتنا واعتدادك بها مَعَ الشَّاهِدِينَ * أي الذين قدمت أنهم شهدوا لك بالوحدانية مع الملائكة ، ولعله عقب ذلك بقوله : وَمَكَرُوا المعطوف على قوله : قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ بالإضمار الصالح لشمول كل من تقدم له ذكر إشارة إلى أن التمالؤ عليه يصح أن ينسب إلى المجموع من حيث هو مجموع ، أما مكر اليهود فمشهور ، وأما الحواريون الاثنا عشر فنقض أحدهم وهو الذي تولى كبر الأمر وجر اليهود إليه ودلهم عليه - كما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى في سورة النساء ، وترتيب المكر على الشرط يفهم أنهم لما علموا إحساسه بفكرهم خافوا غائلته فأعملوا الحيلة في قتله . والمكر - قال الحرالي - إعمال الخديعة والاحتيال في هدم بناء ظاهر كالدنيا ، والكيد أعمال الخدعة والاحتيال في هدم بناء باطن كالتدين والتخلق وغير ذلك ، فكان المكر خديعة حس والكيد خديعة معنى - انتهى . ثم إن مكرهم تلاشى واضمحل بقوله : وَمَكَرَ اللَّهُ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما .